عبد اللطيف البغدادي

83

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

المنتن والذفر والسهك « 1 » ونحو ذلك « 2 » ، وليست هذه الحاسة ضرورية لكل حيوان ، بل كثير من الحيوان لا تكون له هذه الحاسة ، أو تكون له ضعيفة كالسمك « 3 » فأما الإنسان فإن حاسة الشم فيه وإن كانت ضعيفة أضعف منها في كثير من الحيوان ، إلا أنها أصدق إدراكا وأقوى تمييزا لفصول المشمومات ، وأقوى ما تكون هذه

--> ( 1 ) وردت في ( د ) : « كلمة غير واضحة » ، أما السهك فهو ريح كريهة تجدها ممن عرق أو من اللحم المنتن أو من السمك . ( 2 ) نضيف هذه الأوصاف الخاصة بالروائح : ( العطر ) و ( الفكه ) الخ ، ويصعب وصف الروائح إلا إذا شبهت بروائح معروفة ، وهذا لكثرتها واستحالة حصرها كالطعوم في أربعة أصناف ، وقد حاول أرسطو وجالينوس تفسير جميع الحواس على أنها مركبة من نسب مختلفة من الطبائع الأربع المقارنة للأخلاط الأربعة ، ولكن جالينوس أعرب عن عدم اقتناعه بهذا وقال : لكني أود لو أنني استطعت تفسير نشأة كل طعم من هذه الطعوم ، وانى لأسعد للاستماع إلى مثل هذا الأخبار » ( 44 ) . وإذا قبلنا جدلا أن أسماء الروائح مشتقة من أسماء الطعوم فان هذا لا يدل على أي تدرج بينهما ، فالاستعارة من حقل إلى آخر جائزة وجارية ، كأن يقال في العلوم الهندسية : ذراع المكبس ، أو هيكل الطائرة ، أو ضلع المثلث ، وفي الطب : اللوح المصفوى أو الوريد البابي ، دون الإشارة إلى أية علاقة بين تشريح الجسم والهندسة سوى التشابه الخارجي . ( 3 ) لم يوفق البغدادي في هذا المثل ، فان الأسماك الموجودة في غياهب أعماق البحار تعتمد في توجيهها على الشم ، وهناك التباس واضح بين الطعوم والروائح ، لاتصال الفم بالأنف ، وطعم الشئ مكون من شقين : الطعم بمعناه المحدود ( حامض ، مالح ، مر ، حلو ) وأداته اللسان ، والنكهة وأداتها الأنف ، ولذا فان القول بأن حاسة الذوق أصدق من حاسة الشام جدير بالنقاش لأن أنواع الطعوم محدودة بينما أنواع الروائح لا حصر لها . ويبدو اتجاه تفكير أطباء القدامى في هذا جليا ، فان البغدادي بنى ترتيبه للحواس على درجة مباشرة المحسوس للعضو الحاس ، أي أنه بدأ بوضع مبدأ لترتيب الحواس ثم رتبها حسب هذا المبدأ ، وهذا تصرف عقلانى محض لم يؤسس على الواقع ( انظر أيضا أقوال ابن سينا في هامش رقم 2 ص 79 ) .